المقريزي

31

إمتاع الأسماع

أوله ، كانت صلاتهم أول الليل ، يقول : هو أجدر أن تحصوا ما فرض الله عليكم من قيامكم ، وذلك أن الإنسان إذا نام لا يدري متى يستيقظ . وقوله - تعالى - : ( قم الليل إلا قليلا ) ( 1 ) هو أجدر أن يفقه القول ، وقوله - تعالى - : ( إن لك في النهار سبحا طويلا ) ( 2 ) يقول فراغا طويلا . وخرج من طريق وكيع ( 3 ) ، عن مسعود ، عن سماك الخثعمي عن ابن عباس ، قال : لما نزلت أول المزمل ، كانوا يقومون نحوا من قيامهم في شهر رمضان حتى نزل آخرها ، وكان بين أولها وآخرها سنة . ترجم عليه باب نسخ قيام الليل والتيسير فيه . وذهب بعضهم إلى أن الناسخ قوله - تعالى - : ( ومن الليل فتهجد به نافلة لك ) وقوله - تعالى - : ( علم أن لن تحصوه فتاب عليكم ) الآية ، وأن ذلك ناسخ لقيام الليل في حق الأمة فقط ، وفي هذا نظر ، فإن الخطاب في أول السورة للنبي صلى الله عليه وسلم ، وقد شركته الأمة في ذلك ، فالخطاب في آخرها يتوجه لمن يتوجه إليه الخطاب في أولها ، وقد قيل : إن المنسوخ من قيام الليل ما كان مقدرا ، وأما الواجب فهو باق لقوله - تعالى - : ( فاقرءوا ما تيسر منه ) وهذا بناء على أن المراد بالقراءة الصلاة ، فسماها - تعالى - ببعض أجزائها ، فتكون الآية كقوله - تعالى - : ( فما استيسر من الهدي ) إذ لا بد من الهدي ، فكذلك لا بد من صلاة الليل . وحديث عائشة - رضي الله تبارك وتعالى عنها - ، المخرج في ( الصحيحين ) ( 4 ) كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى قام حتى تفطر رجلاه ، قالت

--> ( 1 ) المزمل : 2 . ( 2 ) المزمل : 7 . ( 3 ) ( سنن أبي داود ) : 2 / 72 كتاب الصلاة ، أبواب قيام الليل ، باب ( 306 ) نسخ قيام الليل والتيسير فيه ، حديث ( 1305 ) ، ( تفسير ابن كثير ) : 4 / 465 ، سورة المزمل . ( 4 ) ( فتح الباري ) : 3 / 18 ، كتاب التهجد ، باب ( 6 ) قيام النبي صلى الله عليه وسلم الليل ، وقالت عائشة - رضي الله تبارك وتعالى عنها - : كان يقوم حتى تفطر قدماه . والفطور : الشقوق ، انفطرت : انشقت ، حديث رقم ( 1130 ) ، ومن كان في بلية ففرضه الصبر والشكر ، وأما الصبر فواضح ، وأما الشكر فالقيام بحق الله - تعالى - عليه في تلك البلية ، فإن لله على العبد عبودية في البلاء كما له عليه عبودية في النعماء . ثم الصبر على ثلاثة أقسام : صبر المعصية فلا يرتكبها ، وصبر على الطاعة حتى يؤديها ، وصبر على البلية فلا يشكو ربه فيها . والمرء لا بد له من واحدة من هذه الثلاث ، فالصبر لازم له أبدا لا خروج له عنه ، والصبر سبب في حصول كل كمال ، وإلى ذلك أشار صلى الله عليه وسلم بقوله في الحديث الأول : " إن الصبر خير ما أعطيه العبد " . وقال بعضهم : الصبر تارة يكون لله ، وتارة يكون بالله ، فالأول : الصابر لأمر الله طلبا لمرضاته ، فيصير على الطاعة ، ويصير على المعصية ، والثاني : المفوض لله بأن يبرأ من الحول والقوة ، ويضيف ذلك إلى ربه . وزاد بعضهم : الصبر على الله ، وهو الرضا بالمقدور ، فالصبر لله يتعلق بإلهيته ومحبته ، والصبر به يتعلق بمشيئته وإرادته ، والثالث : يرجع إلى القسمين الأولين عند التحقيق ، فإنه لا يخرج عن الصبر على أحكامه الدينية ، وهي أوامره ونواهيه ، والصبر على ابتلائه وهو أحكامه الكونية . والله - تبارك وتعالى - أعلم . ( فتح الباري ) . وأخرجه مسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم ، باب ( 18 ) إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة ، حديث رقم ( 79 ) ، ( 80 ) ، ( 81 ) . قال القاضي : الشكر معرفة إحسان المحسن والتحدث به ، وسميت المجازاة على فعل الجميل شكرا لأنها تتضمن الثناء عليه ، وشكر العبد لله - تعالى - اعترافه بنعمه ، وثناؤه عليه ، وتمام مواظبته على طاعته . وأما شكر الله - تعالى - أفعال عباده فمجازاته إياهم عليها ، وتضعيف ثوابها ، وثناؤه بما أنعم به عليهم ، فهو المعطي ، والمثني سبحانه ، والشكور من أسمائه مواظبته - سبحانه وتعالى - بهذا المعنى ، والله - تبارك وتعالى - أعلم . ( شرح النووي ) . وأخرجه الإمام أحمد في ( المسند ) : 7 / 167 ، حديث رقم ( 24323 ) ، من حديث السيدة عائشة - رضي الله تبارك وتعالى عنها - ( 5 ) ، ( 6 ) راجع التعليق السابق . وفيه مشروعية الصلاة للشكر ، وفيه أن الشكر يكون بالعمل كما يكون باللسان ، كما قال - تعالى - : ( اعملوا آل داود شكرا ) قال القرطبي : ظن من سأله عن سبب تحمله المشقة في العبادة أنه صلى الله عليه وسلم إنما يعبد الله خوفا من الذنوب ، وطلبا للمغفرة والرحمة ، فمن تحقق أنه غفر له لا يحتاج إلى ذلك ، فأفادهم أن هناك طريقا آخر للعبادة ، وهو الشكر على المغفرة وإيصال النعمة لم لا يستحق عليه فيها شيئا ، فيتعين كثرة الشكر على ذلك . والشكر : الاعتراف بالنعمة والقيام بالخدمة ، فمن كثر ذلك منه سمي شكورا ، ومن ثم قال - سبحانه وتعالى - : ( وقليل من عبادي الشكور ) وفيه ما كان النبي صلى الله عليه وسلم عليه من الاجتهاد في العبادة والخشية من ربه . قال العلماء : إنما ألزم الأنبياء أنفسهم بشدة الخوف لعلمهم بعظيم نعمة الله - تعالى - عليهم ، وأنه ابتدأهم بها قبل استحقاقها ، فبذلوا مجهودهم في عبادته ليؤدوا بعض شكره ، مع أن حقوق الله أعظم من أن يقوم بها العباد . والله - تبارك وتعالى - أعلم . وقيل : أخرج البخاري هذا الحديث لينبه على أن قيام جميع الليل غير مكروه ، ولا تعارضه الأحاديث الآتية بخلافه ، لأنه يجمع بينها بأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يداوم على قيام جميع الليل ، بل كان يقوم وينام ، كما أخبر عن نفسه ، وأخبرت عنه عائشة - رضي الله تبارك وتعالى عنه - . وأخرجه البخاري أيضا في كتاب التفسير ، باب ( 2 ) ( ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما ) حديث رقم ( 4836 ) ، ( 4837 ) ، وفي كتاب الرقاق ، باب ( 20 ) الصبر على محارم الله ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) ، حديث رقم ( 6471 ) . قال الحافظ ابن حجر في ( فتح الباري ) : ووجه مناسبته للترجمة أن الشكر واجب ، وترك الواجب حرام ، وفي شغل النفس بفعل الواجب صبر عن فعل الحرام ، والحاصل أن الشكر يتضمن الصبر على الطاعة والصبر عن المعصية .